صديق الحسيني القنوجي البخاري

93

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات وأنما أثبت سبحانه لنفسه العلم بكل شيء لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ أي واذكر يا محمد إذ قال ، وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله ، وقيل إذ زائدة والأول أوجه لِلْمَلائِكَةِ جمع ملك بوزن فعل قاله ابن كيسان ، وقيل جمع ملاك بوزن مفعل ، قاله أبو عبيدة ، وأراد بالملائكة الذين كانوا في الأرض ، وذلك أن اللّه تعالى خلق الأرض وأسكن فيها الجن واسكن في السماء الملائكة ، فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال ، وأقاموا مكانهم ، وقيل : القول لمطلق الملائكة وكان ذلك تعليما للمشاورة وتعظيما لآدم ، وبيانا لكون الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره على شره ، واللام في لِلْمَلائِكَةِ للتبليغ وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام . إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي خالق بدلا منكم ورافعكم إلي ، وجاعل هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين ، وذكر المطرزي أنه بمعنى الخالق ، وذلك يقتضي أنه متعد إلى مفعول واحد ، وصيغة اسم الفاعل بمعنى المستقبل ، والأرض هنا هي هذه الغبراء ، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان ، وقيل إنها مكة كما ورد في مرسل ضعيف ، وقال ابن كثير أنه مدرج ، والخليفة هنا معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة ، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف أي يخلفه غيره ، قيل هو آدم كما دل عليه السياق ، وقيل كل من له خلافة في الأرض ، ويقوي الأول قوله : خَلِيفَةً دون الخلائف واستغنى بذكر آدم عن ذكر من بعده ، والصحيح أنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة اللّه في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه ، قيل خاطب اللّه الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة ولكن لاستخراج ما عندهم ، قيل وفيه إرشاد عباده إلى المشاورة وأن الحكمة تقتضي اتخاذ ما يغلب خيره وإن كان فيه نوع شر ، وأنه لا رأي مع وجود النص ، وهو أصل في المسائل التعبدية . قال بعض المفسرين أن في الكلام حذفا والتقدير إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا فكرهوا ذلك و قالُوا أي استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة الباهرة ، وليس باعتراض على اللّه ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة ، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] وإنما عرفوا ذلك بإخبار من اللّه أو تلق من اللوح المحفوظ أو مقياس لأحد الثقلين على الآخر أَ تَجْعَلُ